Text

لموباسان قصة اسمها الأم سوفاج، من مجموعة صديقان وقصص أخرى. يا ليت لو تُقرؤوها.

Photo
عن الظل. 
جوزيف حرب، طالع عبالي فلّ.

عن الظل.
جوزيف حرب، طالع عبالي فلّ.

Photo
جوزيف حرب، زرتك قصب فلّيت ناي.

جوزيف حرب، زرتك قصب فلّيت ناي.

Quote
"

مشهد الحرب.

(1)
مقابرُ منبوشة.
جثث في الطريق.
حرائق تمتد كالغيمِ بعد الغروبِ.
خرائب سود تزوّجَ فيها الرماد جميعَ بناتِ الدخانِ.
مذابح كالسوقِ، فيها دكاكينُ باعتها يرتدون البنادقَ، زيَّ الفؤوس.
وأقبيةٌ ما يزالُ الصراخُ يُشقَّقُ جدرانها.
قلتُ: هذي بلادي.
وفي باحةٍ قربها سنديانٌ عتيقٌ رأيتُ كتاباتِ جبران، زيدان، صَرُّوف،
شبلي الشميل، أنطون، إسحق، خوري، الفُريكي، عبّود،
يُحرقها رجل يرتدي جلد ذئب، له لحية مثل أهل الكهوفِ،
وفي يده حربةٌ من جُبيل،
وبالقرب منه نواويس فارغة،
ولصوصُ تراث،
وكُهّان ديرٍ يبيعون للفقراء حقولًا وراء ازرقاق السماء،
وشيخٌ على ثوبه بقع من براني قورما ودبسٍ،
تخش يداه،
يخطّ على ورق من جلود الخراف،
حقوق الموارنة المنزلات بلبنان من زبد الموجِ،
حتى مرامي الثلوجِ.
مشيتُ بطيئًا خلالَ ضحايا مساكينَ صاروا تماثيل ملحٍ،
رأيت رعاة عليهم طرابيشُ حمرٌ، عمائمُ بيضٌ،
يسوقون قافلة من عراة جياع إلى شجراتٍ عليها رقىً بالياتٌ، تعاويذُ زرقٌ،
وفي حفرةٍ عند جنب الطريق،
رأيت بقايا كتابات صاحب فكر المعري، فتّى الكهرباء،
رضا، عمر، الزين،
تأكلها النار، يرجمها سَلَفي دَعَي بكل حجارةِ عتمِ السنين.
مشيتُ فلاح أمامي كتابان في حجم صندوق بيت قديم،
كتاب المسيح، كتاب النبي،
فتحتهما،
لم أجد فيهما ورقًا أو كلامًا،
لقد أفرغوا منهما الله،
حطّوا مكان الكلامِ:
دراهمَ صفرًا،
دمًا،
عرقًا.
وكانَ فقيران في ساحةٍ،
عاريان.
وفي يد هذا الفقيرِ،
هلالٌ.
وفي يد هذا الفقيرِ،
صليبٌ.
ويلتحمان،
ويقتتلانْ.
وكان بقربهما رجلان،
غنيّان،
قد جلسا يضحكان.
وكان الفقيرانِ،
إذ ينزفان،
ويأتي الغنيانِ،
يلتقطان دماءهما ذهبًا أو حريرًا.
يقوّيهما كاهن بالصلاةِ،
وشيخٌ يقوّيهما بالأذان.

(2)
وأصعدُ،
حولي الموارنةُ الفقراء،
ضحايا الشموس التي لا تجيء،
البلاد التي صدّقوا أنها للصليب.
وقد وعدوهم بخبزٍ فماتوا جياعًا.
وحريّة فاستحالوا عبيدًا لمن توّجوهم وقالوا لهم:
“قاتلوا، في سبيل التراب الذي هو ملك أبيكم أحيرام.”
سَلُّوا السيوف،
وخاضوا معارك سوداء،
وماتوا،
فلم يدفنوهم.
لقد رحلوا، لا لشيء لهم في الرغيف.
مضوا لا لشيء سيأتي.
وكانوا قتيلَ الغني وقاتلَ من مثلهم فقراء.
فكم خدعتهم مرايا الكنائس،
وامتصّهم رمل أوهامهم،
ثم غابوا
لتبقى الرياحُ التي أطفأتهم.

(3)
وأصعدُ،
عبرَ ضحايا الطوائف.
أخطو خلال سواق من الدم،
يبدو حصاها أكفًا وأعين قتلى،
حجارتها من جماجم ذات أنين بعيد،
عليها جسور من الميتين،
وفي ضفتيها شفاهٌ كزهر القبور،
نباتٌ من الخصل السود،
أشجار دمع لأغصانها اللينات انسدال
على أمهات تحللن عند الجذوع.
وتجري دماء المساكين،
تنصب من فوق فراشٍ لطاحونة يطحن الدين فيها،
سنينًا ونومًا،
وحُكّام شعبي،
قوانين عتمٍ،
وقادة شُذاذ كل الطوائفِ
أكياس موتى،
متاريس نارٍ،
رصاصًا.
وأعبرُ كلَّ السواقي.
وأصعدُ تلًّا لمذبحةٍ، أين جاءت خطاي الكئيبات فيها،
مشيتُ على جثثٍ،
خُضت في غللٍ من رمادٍ،
غرقت إلى القلب في غدقٍ من دمٍ،
مسّني ألم لا ينامُ.
وقامت نساءٌ كأن بهن حدائقَ من قمرٍ ودخان،
يغطين أعناق من ذُبحوا،
ويُلملمن أقدام قتلى تسيلُ عليها الخطى والطريق.
وأخطو، وأخطو …
فلا ينتهي التل، حتى حسبتُ، وبعدَ مئات الخطى، أنني الآن أمشي.
وأصعدُ،
أصعدُ في الذبحِ.
أصعدُ في الطعنات الشقيقاتِ،
أصعد في قتلِ حتى الحجارة والوحلِ.

أصعد في:
“أيها المجرمون،
تجيئون للأرض من غير أمٍ،
تعيشونَ لا تستحقونَ شمسًا، ولا علمًا أو بلادًا،
وتمضون من غير أي عناقٍ لكم.”
أصعدُ الموتَ في كل شيء،
وفي عفن الطفلِ،
بين اهتراء الشيوخ،
تَفَسُّخِ أجسادِ حتى الظلالِ.
وأصبح كلِّي عيونًا.
وتصبحُ كل العيونِ أكفًا وجمرًا.
وأشعر أن سنيني انتهت.
غيرَ أن الهواء يهب على التل،
من كل هذي الجنازات رائحة ذكّرتني تراب الجليلِ،
الغروب المذوّب في طبريا،
الندى البلدي على ياسمين البيوت بأحياء حيفا،
مواويل أجراس كل القرى.
وألمح طيف فلسطين ينهض في التل ملأى بزعتر كل الحفافي.
فأستلُ روحيَ سيفًا وأهتف:
يا مريم الأرض،
لا تتركي الشمس تهجر وجهي.
املئي راحتيَّ عواصف حمرًا،
لينهض فيَّ القتيل.
انثري في جراحي خطاكِ،
لتنبتَ في الطريق.
افتحي بابكِ،
انتظريني عليه،
لأؤمن أني أخيرًا وصلتُ،
على جبهتي تعبي واشتياقي.
فلا نوم إلا على ركبتيكِ.
ولا قبر إلا بظل المناديل تحت تراب بلادي.
ويا مريم الروحِ،
مُدِّي يديكِ،
فلم يأخذ البعدُ مني حتى ظلالي على أي أرضِ.
فهذا دمي،
هذه خطوتي،
وهذا رمادي.

(4)
روت جدّتي:
“كان ما كان،
أن غرابًا رمته الرياحُ على قمةٍ عالية.
وعند الصباح،
رأى ظله فوق كف السهولِ،
على سنديان الجبالِ، وراء مياه البحار.
فقال: أنا ملك الأرض،
سيّد كل طيور السماء،
ووحش البراري.
وفوق الذرى،
كانتِ الشمسُ – ما أعظم الشمسَ-
تصعدُ،
تصعدُ،
تعلو قليلًا، قليلًا
فيصغر ظل الغرابِ على الأرض،
شيئًا … شيئًا
إلى أن تكبّدت الشمسُ قلب السماءِ.
فراح الغرابُ يفتّشُ عن ظلهِ.
فرآه صغيرًا .. صغيرًا،
يغطي له سلحه بين ساقين راعشتين من الجوع.

قال اخفني يا ظلام،
وأغرق منقاره في الطعام.

(5)
وكانوا يسيرون ليلًا إلى شمسهم،
رافعين قناديلهم منشدين:
لديك ما يكفيك من خبز،
ولكن ليس ما يكفي جميع الناس،
والأرض ملأى بالسنابل!
انهض وناضل.
لديك ما يكفيك من حرية،
لكنها قليلة في القلب،
لا تكفي جميع الناس،
والأرض ملأى بالبلابل!
انهض وناضل.
لديك ما يكفيك من حب،
ولكن ليس ما يكفي جميع الناس،
والأرض ورد ورسائل!
انهض وناضل.
لديك ما يكفيك من أرض وبيت،
ليس ما يكفي جميع الناس،
والأرض ملأى بالتراب وبالمنازل!
انهض وناضل.

انهض ولا تبقِ سجونًا،
انهض ولا تبقِ سلاسل،
كن مشعلًا بين المشاعل،
انهض وناضل.

(6)
وكانوا يسيرون ليلًا إلى شمسهم،
رافعين قناديلهم،
تسقط عنهم توابيتهم،
يسقط القهر،
يسقط إكليل ملح،
وأحذيةٌ صرن كوخًا لكل الخطى في الطريق.
وتسقط كل الثياب القديمة،
والغرفُ الناحلاتِ،
وليس يظل سوى مُدلجين عراة،
يسيرون ليلًا إلى شمسهم حاملين القناديلَ،
كي يرتدوا النور،
كي يسكنوا الفجر،
كي يأكلوا خبزهم طيبًا،
من أكفِّ نساءٍ تهفهفن بالياسمين،
وتُوَّجن قاماتهن بأوراق زوفى،
وذوّبن في الكحل ليل العيون.
ولكنهم يسقطون،
ولا يخسرون سوى أنهم قد رموا فقرهم في الطريق،
وعاشوا،
عليهم كثير من الليل،
ماتوا،
عليهم قليل من الشمس،
فلينهض النائمون.

"

— جوزيف حرب، شجرة الأكاسيا.

Quote
"

مشهد الصمت.


أفتحُ الخطوة الآن.
أقرأ أني تعبتُ.
على أي صدر سأرمي جبيني وأغفو؟
وليسَ سوى أضلعٍ من جراح،
إذا نام رأسي عليها،
غرقتُ بأحزان شعبي العميقة.
تُتعبُ الراحةُ القلبَ
أكثر من أن يُتابع حتى الوصول إلى ما يحبُّ طريقه.
رحتُ أصعدُ.
لا النوم، لا الموت،
أعمقُ صمتًا من الآن!
حتّى ظننتُ فم البحر أفرغ أمواجهُ في الغيوم،
أو الصبحَ أطفأ فوق الجبالِ شروقه.
أو استخرجت ملحها،
من مياه السنينِ الحقيقة.
غيرَ أني وجدتُ على جنباتِ الطريق،
شفاهًا بلا عددٍ،
بعضهن مُحاكٌ ببعضٍ،
ومنهنّ من أطبقت فوق أخرى،
ومنهنّ من ضيّعت أختها.
كُنَّ زرقًا وليس لهن لسان،
ولا بينهن لهاة.
عليهن آثار أسنانهن،
ولا صوتَ للدمِ يعلو،
كأن خريف البساتينِ أنزل أكياسَ أوراقهِ الصفر عن ظهرهِ، ثم نام.
قالتِ الطير لي:
إنهن شفاه الذين مضوا صامتين،
مخافة أن يطردوا من كفافِ الوظيفةِ،
أو يكبروا مثل كل المحابيس،
أو يُقتلوا غيلةً في الظلام.
خُيِّروا بين قتل الكلامِ،
وقتلِ الرغيفِ، فأخفوا دموع العيونِ،
وشكَّوا سيوفهمو في الكلام.

"

— جوزيف حرب، شجرة الأكاسيا.

Quote
"

مشهد النزوح.

خزانة أهلي، على الشوكِ مرميّة والغياب.
فتحتُ يديها، وجدتُ جبينَ أبي فيهما،
ضبوة التبغ، شاربه الجبلي،
عباءته المستحمّةَ بالشاي كل مساءٍ.

وجدتُ خواتم أمي، مسابحها،
وجهها البلدي، جديلة أختي، وقلبيْ.

وكانت خزانات أهل القرى، قُربها.
كان فيها الدرابك، سطح التراب، خوابي النبيذ،
عصي الرعاةِ، المعاصر، عائلة الشجرات التي أنجبتها الحقول.

ولكن، أليس لأهل القرى أعينٌ؟
أين ضاعت؟

يقولون:
أهل القرى نزحوا.
أصبحوا بائعي ياسمين، جرائد، عمّال كل الصناعات،
دمع قناديل كل الشوارع،
خدّام كل المقاهي،
سواعد كلِّ البساتين،
سُكّان كل الضواحي الفقيرة،
ينبوع كل المآسي.

أياديهم الخضر صارت مصاعد، طينًا.
عروقهم الزرق صارت أنابيب ماء.
قلوبهم الحمر صارت مصابيح بارات ليل المدينة.
عيونهم السود ظلّت هنا، دمعها في السواقي،
وأهدابها في مسافةِ عشب الطريق،
وأعماقها في غريفِ المطر.

أينَ ضاعت؟
وطارت أمامي البلابلُ.
طارت بعيدًا.

وفي عطفةٍ لونها كالغروب الرمادي،
راحت تصفّق حتّى وصلتُ إليها.
فشاهدت صفصافةً كل أوراقها مقلُ رغرغت بين جفنين، كحليّة.
يتحوّل ما يتقطّر منها فراشاتِ حقلٍ،
مبلَّلة الأجنحِ البيض بالزيت.
ترقص حول قناديلَ عامت على بركةٍ ملأتها بدمعِ الوداع الأخيرِ البيوتُ.

وتسقط في الدمع تعبى.
وبعد قليلٍ، تموت.

دخلتُ يديَّ،
وأغلقتُ خلفيَ باب اليمامِ،
اكتسيت سواديْ،
فتحت غمام دمي، وبكيتْ.

"

— جوزيف حرب، شجرة الأكاسيا.

Quote
"

مشهد القمح

(5)

طلع الفجرُ،
فودّعنا التوت على البابِ،
تركنا القصرَ،
ملأت أيدينا النارُ بفاكهةِ الدفءِ،
وسرنا.

غنّى عصفورٌ
أغنية:
في المملكة العثمانية، ريفونيّة .. ريفونيّة،
كانت أول جمهورية، كانت ضد الإقطاعية.

لم تكن الجمهوريّة كافرةً.
كانت تؤمن بالله وبالمصلوب.
تصلِّي للقديسة مريم.
تسمع أقوال الإنجيل.
تقبّل قُدام الناسِ يد الكاهن.
فلماذا قتلتها كف المطرانِ،
أمام المذبح!

لم تكن الجمهورية تأكل خبزَ الفقراءِ،
تمص دماء الفلاحين،
تبيع الوطن القديس من القنصل.
فلماذا ذبحتها كف النبلاءِ،
أمام الشمس!

كان الإقطاعي يقصّ رؤوس الفلاحين.
لماذا صادقه المطران؟
وكان المطران يوظّف ابن العذراء،
كجندي تركي، يجبي أرواح الفقراء،
ويقطع أيدي المظلومين.
لماذا صادقه الإقطاعي؟
لأجل المال!

ولأجل السلطةِ،
باع الإقطاعي المؤمنُ روحه،
والمطرانُ مسيحه.

في المملكة العثمانية،
فلّاحية، شاهينية،
قامت أول جمهوريّة،
قامت ضد الإقطاعية.

كان الفقراء يسيرون،
وفي أيديهم رمح العرق،
القلب،
وأعماق البسطاء.
واقتحموا صندوقَ الكهنة،
ومشوا فوق يد النبلاء.

ذهبَ الدينُ،
إلى الفقراء.
وبَّخهم.

كانوا فلّاحين،
فصاروا موارنةً ودروزًا،
واقتتلوا.

شكّوا برقَ خناجرهم فاغتالوا القمحَ.
استلَّوا سيف عقائدهم،
فاخترقوا الأرضَ.
رموا نيران بنادقهم،
فأصابوا الماء.

ما علموا أن بأيديهم،
ذبحوا الثورة.
غالوا الآتي.
قطعوا رأس الحريّة.

ما علموا أن بنادقهم،
قتلوا فيها الجمهوريّة.

"

— جوزيف حرب، شجرة الأكاسيا

Quote
"شكراً لكل من رفض تقديم مساعدة طلبتها منه يوما ما، فقد حررني من الشعور بأنني مدينة له، وخلصني من انتظار فرصة رد الدين، وخلصني من حالات أرق ليلية لا بد أنني سأعانيها."

— سعديّة مفرّح

Quote
"حرب طاحنة هذه الحرب
من الصعب تحمل أنينها
حرب طويلة
في مكان ضيق
في هذا الصدر."

— عارف حمزة، كنت صغيرًا على الهجران.

Quote
"أتأمل الأشياء في السماء
مثلي وحيدة
مثلكِ بعيدة وجاحدة."

— عارف حمزة، كنت صغيرًا على الهجران.

Quote
"لا عمل لي
سوى الاشتغال على قميص الأسى
ومدح إخلاصكِ أمام الغريبات.
أقضي أيامي حول سيرتكِ
بينما أيامي
تقضي علي."

— عارف حمزة، كنت صغيرًا على الهجران.

Quote
"

لا تقولي
تغيّر لون خاتمك
في إصبعي
وأنه كان مطليًا بالذهب.

هذا هو الحقيقي.

المعادن مثلنا
تركض بشوقٍ أعمى
خلف ماضيها.

"

— عارف حمزة، كنت صغيرًا على الهجران.

Quote
"أرتبك
على طريق السفر
عندما يدهس السائق
طائرًا.
وأبقى أنظر خلفي
كأن شخصًا عزيزًا علينا
قد طُعن الآن."

— عارف حمزة، كنت صغيرًا على الهجران.

Quote
"سأجدكِ
وسأكرر أخطائي
كي لا تظني
أنني تغيرت."

— عارف حمزة، كنت صغيرًا على الهجران.

Quote
"الأشجار
في البيوت المهجورة
تشبه حياتي كثيرًا
وهي تتفسخ
من الإهمال."

— عارف حمزة، كنت صغيرًا على الهجران.